النوع العاشر : أسباب النزول
وَصَنَّفَ الْأَئِمَّةُ الْأَسْفَارَا = فِيهِ فَيَمِّمْ نَحْوَهَا اسْتِفْسَارَا
مَا فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحَابِيٍّ رُفِعْ = وَإِنْ بِغَيْرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ
أَوْ تَابِعِي فَمُرْسَلٌ وَصَحَّتِ = أَشْيَا كَما لِإفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ
وَالسَّعْيُ وَالْحِجَابُ مِنْ آيَاتِ = خَلْفَ الْمَقَامِ الْأَمْرُ بِالصَّلاَةِ
إتمام الدراية لقراء النقاية لجلال الدين السيوطي
النوعُ العاشرُ: أَسْبَابُ النُّزُولِ، وفيه تَصَانِيفُ، وما رُوِيَ فيهِ عَنْ صَحَابِيٍّ فمَرْفُوعٌ، فَإِنْ كَانَ بلا سَنَدٍ فمُنْقَطِعٌ، أو تَابِعِيٍّ، فمُرْسَلٌ، وصَحَّ فِيهِ أَشْيَاءُ، كقِصَّةِ الإفْكِ، والسَّعْيِ، وآيةِ الحِجَابِ، والصلاةِ خَلْفَ المَقَامِ، وَ{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ..} الآيةَ.
شرح الشيخ عبدالكريم الخضير
الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبيّنا محمد وعلى آله وصحبِه أجمعين، أما بعد...
فيقول المؤلف_رحمه الله تعالى_ النوع العاشر: أسباب النزول.
(الأسباب): جمعُ سبب، والسبب: هو الباعث على الشيء.
وأسباب النزول بالنسبةِ للقرآن كأسباب وُرُودِ الحديث .
قد يقول قائل: ما الداعي لمعرفة السبب؟
الذي
يهمُنا النازل هو الذي يُتعبد به، وكون الأية نزلت في قصة فلان أو فلان،
وكون الحديث ورد في شأن فلان أو فلان، لا يهُمُنا العلماء عُنوا بذلك عناية
فائقة وصنفوا فيه المؤلفات،
أسباب النزول له فوائد كثيرة:
_أوّلاً:
أن معرفة السبب مما يورث العلم بالمـُسبَب، فكم من آية نقرَأُها ولا ندري
ما مراد الله فيها ولا يتضح لنا وجه ارتباطها بما قبلها وما بعدها،ثم إذا
اطلعنا على السبب زال الإشكال، والعرب يقولون:"إذا عرف السبب بطلَ العجب"،
يعني تسمع كلام تتعجب منه!، كيف يُقال مثل هذا الكلام؟، لا تدري ماوَجههُ؛
لكن إذا عرفت سببهُ تبيّن لك معناه.
_السبب
قد يُحتاج إليه في قصر الحُكم العام على مدلول السبب، الصحابة_ رضوان الله
عليهم_ استشكلوا بعض الآيات فلما بيّن لهم النبيّ_ عليه الصلاة والسلام_
السبب زال عنهمُ الاشكال، اسشتكلوا ما جاء في آخر البقرة، استشكلوا ما جاء
في سورة الأنعام {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ }[1]....إلخ، قالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه، قال: فأنزل الله تعالى:{إن الشرك لظلمٌ عظيم}،
في بعض الروايات ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم ،
زال بهذا الإشكال، قد نحتاج إلى قصر الـحُكم العام على سببهِ، معروف عند
أهل العلم قاطبة، ونُقل فيه الإجماع أن العبرة:" بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب"؛ لكن قد يُلجأ إلى خصوص السبب إذا كان العموم مُعارض بما هو أقوى
منه، مثال ذلك {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ}[2]
، العموم يدل على أن من صلى إلى أي جهةٍ صحت صلاتُه، والأدلة دلت على:أن
استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة؛ فإذا عرفنا سبب النزول:وهو أنّ
الصحابة اجتهدوا في الصلاة_ فصلّوا إلى جهاتٍ متعددة فنزل قوله_جلّ وعلا_:{فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ}فهذه الآية مقصورة على سببها يعني في من خفيت عليه القبلة ثمّ بان له أنّه صلّى إلى غير القبلة.
مثال ذلك من الحديث:(( صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب))، مع حديث: ((صلاة القاعد على النصف من أجرِ صلاة القائم)).
الحديث الأوّل يدل على: أن الصلاة لا تصحُ من القاعد المستطيع للقيام مُطلقًا.
والثاني يدلُ على: أن الصلاة تصح من القاعد المستطيع مُطلقًا.
هذا
تعارض تام لكن، إذا نظرنا في سبب ورود الحديث الثاني: من أركان الصلاة
القيام مع القدرة [القيام مع القدرة]، والعلماء يقولون: القيام في الفرض مع
القدرة، لماذا؟
ما حملُوهُ على عمومه لوُجود المعرض، والحديث الثاني:((صلاة القاعد على النصف من أجرِ صلاة القائم))
له سبب: النبيّ_ عليه الصلاة والسلام _ دخل المسجد والمدينةُ مُحمة_يعني
فيها حمى_لماذا دخل المسجد وجدهم يصلون من قعود؛ فقال النبيّ_ عليه الصلاة
والسلام _:((صلاة القاعد على النصف من أجرِ صلاة القائم))
فتجشم النّاس الصلاة قيامًا، هذا سبب الوُرود أخذ منه أهل العلم: أن صلاة
النافلة تصح من قعود ولو كان قادرًا مُستطيعًا، أخذًا من سبب الورود، كونهم
يصلون قبل حضور النبيّ_ عليه الصلاة والسلام _دخل المسجد فوجدهم يصلون دّل
على أنّها نافلة، لايصلون الفريضة حتى يأتي _عليه الصلاة والسلام_، كما
دّل الخبر على أنّهم يستطيعون القيام، فمن صلّى قاعدًا وهو قادر على القيام
في الفريضة صلاته باطلة ((صلي قائمًا فإن لم تستطيع فقاعدًا)) من صلى في الفريضة أو النافلة وهو عاجز صلاتُه صحيحة وأجرهُ كامل ((فإن لم تستطع فقاعدًا))، من صلى النافلة من قعود وهو قادر على القيام صلاتُه صحيحة لكن أجرهُ على النصف؛ فهذه من فوائد معرفة سبب النزول.
_ أيضًا معرفة الأسباب:
إنّه لا يُشكك في دخول الصورة التي تضمنها السبب في العام، يقول أهل
العلم:"دخول السبب في النص قطعي"، لو جاء طالب مثلاً إلى شيخ من الشيوخ
وقال: إن الكتاب الفلاني المـُقرر في الدرس الفلاني ما يوجد في المكتبات،
والطلاب ظروفهم ما تُساعدهم على أن يبذلُوا الأسباب المـُكلفة لإحضار الكتب
و تصوير الكتاب، ثمّ الشيخ بطريقته دَبرَ بعدد الطلاب، ثمّ أعطى جميع
الطلاب إلا هذا الطالب الذي جاء إليه. فهذا أمر غيرحسن لأن أولى النّاس
بالكتاب هذا الطالب اللي هو سبب في إيجاد الكتاب، فأهل العلم يقولون:"دخول
السبب قطعي’’.
فهذه من فوائد معرفة أسباب النزول بالنسبة للقرآن، وأسباب الورود بالنسبة للحديث.
وصَنَّفَ الأَئِمَةُ الأَسْفَـارا
......................
...........................
فِيهِ فَيَمِّمْ نَحْوَها اسْتِفْسَارَا
ما فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحابِيٍّ رُفِعْ
وإِنْ بِغَيْرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِـعْ
وعدّوا ما فسره الصحابي رفعًا
فمحمولٌ على الأسباب
ما فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحابِيٍّ رُفِعْ
.................
ما فِيهِ يُرْوَى عَنْ صَحابِيٍّ رُفِعْ
وإِنْ بِغَيْرِ سَنَدٍ فَمُنْقَطِعْ
أَو تَابِعِيْ فَمُرْسَلٌ ، وصَحَّتِ
أَشْيَا كَما لإِفْكِهِمْ مِنْ قِصَّةِ
..........................
خَلْفَ المَقَامِ الأَمْرُ بالصَّلاةِ
نهج التيسير للشيخ: محسن علي المساوي
النوع العاشر: أسباب النزول
ذكر في الإتقان فوائد لهذا النوع، منها معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، ومنها أن اللفظ قد يكون عاماً ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعي وإخراجها بالاجتهاد ممنوع، ومنها الوقف على المعنى وإزالة الإشكال، قال الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها، وقال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن، قال الناظم (وصنف الأئمة) جمع إمام (الأسفارا) جمع سفر وهو الكتاب (فيه) أي في سبب النزول، أشهرها للواحدي (فيمم) بصيغة الأمر: اقصد (نحوها) أي جهة الأسفار (استفساراً) أي حال كونك مستفسراً، (ما) أي وسبب النزول الذي (فيه يروى عن صحابي) بسند متصل فحكمه (رفع) أي حكمه حكم الحديث المرفوع، لا الموقوف، إذ قول الصحابي فيما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه مرفوع (و) السبب الذي روي عنهم (إن) روي (بغير سند) أي متصل (فـ) حكمه (منقطع) لا يلتفت إليه (أو تابعي) بتسكين ياء النسبة للوزن، وهو معطوف على صحابي، أي والسبب الذي روي بسند متصل عن تابعي (فـ) حكمه أنه (مرسل) لأنه ما سقط فيه الصحابي، فإن كان بلا سند فمردود، قال في شرح النقاية: كذا قال البلقيني فتبعناه، ولا أدري لم فرق بين الذي عن الصحابي والذي عن التابعي، فقال في الأول منقطع، وفي الثاني رد، مع أن الحكم فيهما الانقطاع والرد؟ (وصحت) بكسر التاء للروي (أشيا) بالقصر للوزن، وذلك (كما) ثبت (لإفكهم) أي المنافقين (من قصة) بيان لما، وهي مشهورة في الصحيحين وغيرهما (والسعي): بالجر عطفاً على إفكهم، أي وكما ثبت للسعي من القصة والسبب، ففي الصحيحين عن عائشة: كان الأنصار قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله ...} إلى قوله: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} وفي البخاري عن عاصم بن سليمان، قال: سألت أنساً عن الصفا والمروة؟ قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} (والحجاب) بالجر أيضاً لما مر، أي كما ثبت لآيات الحجاب من السبب كما قال الناظم (من آيات) وهو بيان للحجاب (خلف المقام) متعلق بالصلاة (الأمر) بالجر أيضاً لما مر (بالصلاة) متعلق بالأمر، أي وكما ثبت للأمر بالصلاة خلف المقام من السبب، وذلك كما في البخاري عن أنس قال، قال عمر: وافقت ربي في ثلاث: قلت يا رسول الله، لو اتخذنا مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن، فنزلت كذلك، اهـ. والله أعلم.