17 Sep 2014
تفسير قول الله تعالى: {أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ
الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ
لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ
(243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) }
تفسير
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ
وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ
أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {ألم تر إلى الّذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم اللّه موتوا ثمّ أحياهم إنّ اللّه لذو فضل على النّاس ولكنّ أكثر النّاس لا يشكرون}
معنى {ألم تر}: ألم تعلم، أي ألم ينته علمك إلى خبر هؤلاء وهذه الألف ألف التوقيف، و {تر} متروكة الهمزة، وأصله ألم ترء إلى الذين.
والعرب مجمعة على ترك الهمزة في هذا.
ونصب {حذر الموت} على أنه مفعول له والمعنى خرجوا لحذر الموت، فلما سقطت اللام نصب على أنه مفعول له وجاز أن يكون نصبه على المصدر، لأن خروجهم يدل على حذر الموت حذرا.
وقيل في تفسير الآية: إنهم كانوا ثمانية ألوف، أمروا في أيام بني إسرائيل إسرائيل أن يجاهدوا العدوّ، فاعتلوا بأن الموضع الذي ندبوا إليه ذو طاعون.
{فقال لهم اللّه موتوا} معناه: فأماتهم اللّه، ويقال إنهم أميتوا ثمانية أيام ثم أحيوا، وفي ذكر هذه الآية للنبي - صلى الله عليه وسلم - احتجاج على مشركي العرب وعلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أنه أنبأ أهل الكتاب بما لا يدفعون صحته، وهو لم يقرأ كتابا - صلى الله عليه وسلم -.
فالذين تلا عليهم يعلمون إنّه لم يقرأ كتابا وأنه أمي، فلا يعلم هذه الأقاصيص إلا بوحي، إذ كانت لم تعلم من كتاب فعلم مشركو العرب أن كل من قرأ الكتب يصدقه - صلى الله عليه وسلم - في إخباره أنها كانت في كتبهم، ويعلم العرب الذين نشأ معهم مثل ذلك وأنه ما غاب غيبة يعلّم في مثلها أقاصيص الأمم وأخبارها على حقيقة وصحة، وفي هذه الآية أيضا معنى الحث على الجهاد وأن الموت لا يدفع بالهرب منه.
وقوله عزّ وجلّ: {إنّ اللّه لذو فضل على النّاس} أي: تفضل على هؤلاء بأن أحياهم بعد موتهم فأراهم البصيرة التي لا غاية بعدها.
وقوله عزّ وجلّ: يعقب هذه الآية:
{وقاتلوا في سبيل اللّه واعلموا أنّ اللّه سميع عليم}). [معاني القرآن: 1/322-323]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله
عز وجل: ألم تر إلى الّذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذر الموت فقال لهم
اللّه موتوا ثمّ أحياهم إنّ اللّه لذو فضلٍ على النّاس ولكنّ أكثر النّاس
لا يشكرون (243)
هذه رؤية القلب
بمعنى: ألم تعلم، والكلام عند سيبويه بمعنى تنبه إلى أمر الذين، ولا تحتاج
هذه الرؤية إلى مفعولين، وقصة هؤلاء فيما قال الضحاك هي أنهم قوم من بني
إسرائيل أمروا بالجهاد، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم
فرارا من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم
وأمرهم بالجهاد بقوله وقاتلوا في سبيل اللّه [البقرة: 190- 244] الآية،
وحكى قوم من اليهود لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن جماعة من بني إسرائيل
وقع فيهم الوباء، فخرجوا من ديارهم فرارا منه، فأماتهم الله، فبنى عليهم
سائر بني إسرائيل حائطا، حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل النبي عليه
السلام، فدعا الله فأحياهم له، وقال السدي: «هم أمة كانت قبل واسط في قرية
يقال لها داوردان، وقع بها الطاعون فهربوا منه وهم بضعة وثلاثون ألفا». في
حديث طويل، ففيهم نزلت الآية.
وقال إنهم فروا من
الطاعون: الحسن وعمرو بن دينار. وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى. وحكى فيهم
مجاهد أنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون. لكن سحنة الموت على وجوههم.
ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت
لهم، وروى ابن جريج عن ابن عباس أنهم كانوا من بني إسرائيل، وأنهم كانوا
أربعين ألفا وثمانية آلاف، وأنهم أميتوا ثم أحيوا وبقيت الرائحة على ذلك
السبط من بني إسرائيل إلى اليوم، فأمرهم الله بالجهاد ثانية فذلك قوله
وقاتلوا في سبيل اللّه [البقرة: 190- 244].
قال القاضي أبو محمد
رحمه الله: وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله
تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أخبارا في عبارة التنبيه
والتوقيف، عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت، فأماتهم الله
تعالى ثم أحياهم، ليرواهم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله لا
بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولاغترار مغتر، وجعل الله تعالى هذه الآية
مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد بالجهاد. هذا قول الطبري، وهو
ظاهر رصف الآية، ولموردي القصص في هذه القصة زيادات اختصرتها لضعفها.
واختلف الناس في لفظ ألوفٌ. فقال الجمهور: هي جمع ألف. وقال بعضهم: كانوا
ثمانين ألفا. وقال ابن عباس: «كانوا أربعين ألفا». وقيل: كانوا ثلاثين
ألفا. وهذا كله يجري مع ألوفٌ إذا هو جمع الكثير، وقال ابن عباس أيضا:
«كانوا ثمانية آلاف»، وقال أيضا: أربعة آلاف، وهذا يضعفه لفظ ألوفٌ لأنه
جمع الكثير. وقال ابن زيد في لفظ ألوفٌ: «إنما معناها وهم مؤتلفون» أي لم
تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم. إنما كانوا مؤتلفين، فخالفت هذه الفرقة
فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم.
وقوله تعالى: فقال
لهم اللّه موتوا الآية، إنما هي مبالغة في العبارة عن فعله بهم. كأن ذلك
الذي نزل بهم فعل من قيل له: مت، فمات، وحكي أن ملكين صاحا بهم: موتوا،
فماتوا. فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين. وهذا الموت ظاهر الآية، وما
روي في قصصها أنه موت حقيقي فارقت فيه الأرواح الأجساد، وإذا كان ذلك فليس
بموت آجالهم، بل جعله الله في هؤلاء كمرض حادث مما يحدث على البشر. وقوله
تعالى: إنّ اللّه لذو فضلٍ على النّاس الآية، تنبيه على فضل الله على هؤلاء
القوم الذين تفضل عليهم بالنعم وأمرهم بالجهاد، وأمرهم بأن لا يجعلوا
الحول والقوة إلّا له، حسبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في
جميع هذا، بل استبدوا وظنوا أن حولهم وسعيهم ينجيهم. وهذه الآية تحذير
لسائر الناس من مثل هذا الفعل، أي فيجب أن يشكر الناس فضل الله في إيجاده
لهم ورزقه إياهم وهدايته بالأوامر والنواهي، فيكون منهم الجري إلى امتثالها
لا طلب الخروج عنها، وتخصيصه تعالى الأكثر دلالة على الأقل الشاكر). [المحرر الوجيز: 1/609-611]
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({ألم
تر إلى الّذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذر الموت فقال لهم اللّه موتوا
ثمّ أحياهم إنّ اللّه لذو فضلٍ على النّاس ولكنّ أكثر النّاس لا يشكرون
(243) وقاتلوا في سبيل اللّه واعلموا أنّ اللّه سميعٌ عليمٌ (244) من ذا
الّذي يقرض اللّه قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعافًا كثيرةً واللّه يقبض ويبسط
وإليه ترجعون (245)}
روي عن ابن عبّاسٍ
أنّهم كانوا أربعة آلافٍ وعنه: كانوا ثمانية آلافٍ. وقال أبو صالحٍ: تسعة
آلافٍ وعن ابن عبّاسٍ: أربعون ألفًا وقال وهب بن منبّهٍ وأبو مالكٍ: كانوا
بضعةً وثلاثين ألفًا وروى ابن أبي حاتمٍ عن ابن عبّاسٍ قال: كانوا أهل
قريةٍ يقال لها: داوردان. وكذا قال السّدّيّ وأبو صالحٍ وزاد: من قبل
واسطٍ. وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعاتٍ، وقال ابن جريجٍ عن
عطاءٍ قال: هذا مثلٌ. وقال عليّ بن عاصمٍ: كانوا: من أهل داوردان: قريةٌ
على فرسخٍ من واسطٍ.
وقال وكيع بن الجرّاح
في تفسيره: حدّثنا سفيان عن ميسرة بن حبيبٍ النّهديّ، عن المنهال بن عمرٍو
الأسديّ عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عبّاسٍ: {ألم تر إلى الّذين خرجوا من
ديارهم وهم ألوفٌ حذر الموت} قال: كانوا أربعة آلافٍ خرجوا فرارًا من
الطّاعون قالوا: نأتي أرضًا ليس بها موتٌ حتّى إذا كانوا بموضع كذا وكذا
قال اللّه لهم موتوا فماتوا فمرّ عليهم نبيٌّ من الأنبياء فدعا ربّه أن
يحييهم فأحياهم، فذلك قوله عزّ وجلّ: {ألم تر إلى الّذين خرجوا من ديارهم
وهم ألوفٌ حذر الموت} الآية.
وذكر غير واحدٍ من
السّلف أنّ هؤلاء القوم كانوا أهل بلدةٍ في زمان بني إسرائيل استوخموا
أرضهم وأصابهم بها وباءٌ شديدٌ فخرجوا فرارًا من الموت إلى البرّيّة،
فنزلوا واديًا أفيح، فملأوا ما بين عدوتيه فأرسل اللّه إليهم ملكين أحدهما
من أسفل الوادي والآخر من أعلاه فصاحا بهم صيحةً واحدةً فماتوا عن آخرهم
موتة رجلٍ واحدٍ فحيزوا إلى حظائر وبني عليهم جدران وقبورٌ [وفنوا]
وتمزّقوا وتفرّقوا فلمّا كان بعد دهرٍ مرّ بهم نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل
يقال له: حزقيل فسأل اللّه أن يحييهم على يديه فأجابه إلى ذلك وأمره أن
يقول: أيّتها العظام البالية إنّ اللّه يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كلّ
جسدٍ بعضها إلى بعضٍ، ثمّ أمره فنادى: أيّتها العظام إنّ اللّه يأمرك بأن
تكتسي لحمًا وعصبًا وجلدًا. فكان ذلك، وهو يشاهده ثمّ أمره فنادى: أيّتها
الأرواح إنّ اللّه يأمرك أن ترجع كلّ روحٍ إلى الجسد الّذي كانت تعمره.
فقاموا أحياءً ينظرون قد أحياهم اللّه بعد رقدتهم الطّويلة، وهم يقولون:
سبحانك [اللّهمّ ربّنا وبحمدك] لا إله إلّا أنت.
وكان في إحيائهم
عبرةٌ ودليلٌ قاطعٌ على وقوع المعاد الجسمانيّ يوم القيامة ولهذا قال: {إنّ
اللّه لذو فضلٍ على النّاس} أي: فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج
القاطعة والدّلالات الدّامغة، {ولكنّ أكثر النّاس لا يشكرون} أي: لا يقومون
بشكر ما أنعم اللّه به عليهم في دينهم ودنياهم.
وفي هذه القصّة عبرةٌ
ودليلٌ على أنّه لن يغني حذرٌ من قدرٍ وأنّه، لا ملجأ من اللّه إلّا إليه،
فإنّ هؤلاء فرّوا من الوباء طلبًا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم
الموت سريعًا في آنٍ واحدٍ.
ومن هذا القبيل
الحديث الصّحيح الّذي رواه الإمام أحمد: حدّثنا إسحاق بن عيسى أخبرنا مالكٌ
وعبد الرّزّاق أخبرنا معمرٌ كلاهما عن الزّهريّ عن عبد الحميد بن عبد
الرّحمن بن زيد [ابن أسلم] بن الخطّاب عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفلٍ عن
عبد اللّه بن عباس: أن عمر بن الخطّاب خرج إلى الشّام حتّى إذا كان بسرغٍ
لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجرّاح وأصحابه فأخبروه أنّ الوباء قد
وقع بالشّام فذكر الحديث فجاءه عبد الرّحمن بن عوفٍ وكان متغيّبًا لبعض
حاجته فقال: إنّ عندي من هذا علمًا، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
يقول: "إذا كان بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به
بأرضٍ فلا تقدموا عليه" فحمد اللّه عمر ثمّ انصرف.
وأخرجاه في الصّحيحين من حديث الزّهريّ به.
طريقٌ أخرى لبعضه:
قال أحمد: حدّثنا حجّاجٌ ويزيد العمّي قالا أخبرنا ابن أبي ذئبٍ عن
الزّهريّ عن سالمٍ عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة: أنّ عبد الرّحمن بن عوفٍ
أخبر عمر، وهو في الشّام عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "أنّ هذا
السّقم عذّب به الأمم قبلكم فإذا سمعتم به في أرضٍ فلا تدخلوها وإذا وقع
بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه" قال: فرجع عمر من الشّام.
وأخرجاه في الصّحيحين من حديث مالكٍ عن الزّهريّ بنحوه). [تفسير ابن كثير: 1/660-662]
تفسير قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): ( {وقاتلوا في سبيل اللّه واعلموا أنّ اللّه سميع عليم}أي: لا تهربوا من الموت كما هرب هؤلاء الذين سمعتم خبرهم، فلا ينفعكم الهرب.
ومعنى قوله عزّ وجلّ مع ذكر القتال: {واعلموا أنّ اللّه سميع عليم}أي: إن قلتم كما قال الذين تقدم ذكرهم بعلة الهرب من الموت سمع قولكم وعلم ما تريدون). [معاني القرآن: 1/323-324]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: وقاتلوا في سبيل اللّه واعلموا أنّ اللّه سميعٌ عليمٌ (244) من ذا الّذي يقرض اللّه قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرةً واللّه يقبض ويبصط وإليه ترجعون (245)تفسير قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {من ذا الّذي يقرض اللّه قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة واللّه يقبض ويبسط وإليه ترجعون}
معنى القرض في اللغة: البلاء السيئ، والبلاء الحسن، والعرب تقول: لك عندي قرض حسن وقرض سيئ، وأصله ما يعطيه الرجل أو يعمله ليجازى عليه، واللّه عزّ وجلّ: لا يستقرض من عوز ولكنه يبلو الأخبار، فالقرض كما وصفنا، قال أمية بن أبي الصلت:
لا تخلطن خبيثات بطيبة... وأخلع ثيابك منها وانج عريانا
كل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا... أو سيئا أو مدينا كالذي دانا
وقال الشاعر:
وإذا جوزيت قرضا فاجزه... إنما يجزي الفتى ليس الجمل
فمعنى القرض ما ذكرناه.
فأعلم اللّه أن ما يعمل وينفق يراد به الجزاء فاللّه يضاعفه أضعافا كثيرة.
والقراءة فيضاعفه، و(قرأوا): فيضاعفه، بالنّصب والرفع فمن رفع عطف على يقرض، ومن عطف نصب على جواب الاستفهام وقد بينا الجواب بالفاء - ولو كان قرضا ههنا مصدرا لكان إقراضا، ولكن قرضا ههنا اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء.
فأما قرضته أقرضه قرضا: فجاوزته، وأصل القرض في اللغة القطع.
والقراض من هذا أخذ، فإنما أقرضته قطعت له قطعة يجازى عليها.
وقوله عزّ وجلّ: {واللّه يقبض ويبسط}قيل في هذا غير قول:
1-قال بعضهم: معناه يقتر ويوسع،
2- وقال بعضهم يسلب قوما ما أنعم عليهم ويوسع على آخرين (وقيل معنى - يقبض) أي يقبض الصدقات ويخلفها، وإخلافها:
-جائز أن يكون ما يعطي من الثواب في الآخرة،
-وجائز أن يكون مع الثواب أن يخلفها في الدنيا). [معاني القرآن: 1/324-325]
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم قال تعالى: من ذا الّذي يقرض اللّه الآية، فدخل في ذلك المقاتل في سبيل الله فإنه يقرض رجاء الثواب، كما فعل عثمان رضي الله عنه في جيش العسرة، ويروى أن هذه الآية لما نزلت قال أبو الدحداح: «يا رسول الله أوإن الله يريد منا القرض؟» قال: «نعم، يا أبا الدحداح»، قال: «فإني قد أقرضت الله حائطي»: لحائط فيه ستمائة نخلة، ثم جاء الحائط وفيه أم الدحداح، فقال: اخرجي فإني قد أقرضت ربي حائطي هذا، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كم من عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة».